http://www.ahram.org.eg/WriterTopics.aspx?WID=8

 

 

 

)‏ كنوز العبــادة

 

 
بقلم: أحمد بهجت

أحمد بهجت


يقول الحديث القدسي فيما يرويه
الرسول صلي الله عليه وسلم عن ربه

‏:‏ كنت كنزا مخفيا فأردت أن أعرف‏,‏ فخلقت الخلق فبي عرفوني‏.‏

إذا أراد الكنز أن يدل علي نفسه‏,‏ فذلك يعني انصراف مشيئته إلي العطاء‏.‏
ماذا لو كان هذا الكنز هو الله؟ ماذا لو كان دليلك أن الله هو الله؟
يقول أبو سعيد الخراز‏:‏ كل ما فاتك من الله سوي الله يسير‏,‏ وكل حظ لك سوي الله قليل‏..‏
لو عرفت ذلك لانكشف لك عمق من أعماق الرحمة الإلهية في الخلق‏.‏
لماذا يريد الله سبحانه من خلقه أن يعرفوه ؟ ومن هو المستفيد من هذه المعرفة؟
سئل أحد العارفين بالله‏:‏ لماذا خلق الله تعالي هذه المخلوقات؟ هل كان في حاجة إليهم؟
أجاب العارف‏:‏ كلا‏..‏ ولكنه خلقهم من أجل حاجتهم إليه‏,‏ ومن أجل ثلاثة أشياء‏:‏
‏1‏ـ لما كانت قدرته أعظم من أن تدرك‏,‏ كان لابد لها من مشاهدين‏.‏
‏2‏ـ لما كانت نعمته أكبر من أن تحد‏,‏ كان لابد لها من مستقبلين‏.‏
‏3‏ـ لما كانت رحمته أوسع من أن تضيق‏,‏ كان لابد لها من خاطئين‏!‏
سبحانه وتعالي‏.‏ يخبرنا تقدست ذاته عن استعلاء ذاته وحاجة عباده‏:‏ يا أيها الناس أنتم الفقراء الي الله والله هو الغني الحميد‏..‏
اذا كان الغني الحميد يدعو الفقراء الي مائدته‏,‏ فأي غرض لهذه الدعوة غير العطاء‏..‏
أتسأل عن حدود العطاء وقد جاء من بحر الكرم؟‏!‏
يقول الحق تبارك وتعالي‏:‏ وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون‏..‏
والعبادة قمة المحبة‏,‏ لقد شاء الله تعالي لعباده أن يعرفوه‏,‏ وأذن لهم أن يعبدوه‏,‏ ولولا رحمته بالناس ما منحهم مجد عبادته‏,‏ ولأن المجد لا يناله إلا أصحاب المواهب الرفيعة‏,‏ قل عدد الموحدين وزاد عدد الجاحدين‏.‏
 

صندوق الدنيا
‏(2)‏ كنوز العبــادة
بقلم: أحمد بهجت


كانت البداية كنزا مخفيا‏..‏ ثم شاء
رب العالمين أن يكشف عن معجزاته‏..‏ من العدم إلي الدخان إلي الماء إلي بلايين النجوم إلي قطعة الصلصال إلي الخلية الحية إلي النوع الانساني الذي يكتشف أسرار المادة ويتصل بالسماء ويعرف الحب ويسعي لعطاء خالقه‏..

أي قدرة من الله وأي حب للإنسان؟ يقول العارفون بالله‏:‏ ذكرنا الله قبل أن نذكره‏,‏ وعرفنا قبل أن نعرفه‏,‏ وأعطانا قبل أن نسأله‏,‏ ورحمنا قبل أن نتضرع إليه‏.‏
كان سبب خلق الخلق هو انصراف مشيئة الله إلي العطاء‏..‏ والعطاء قصة الحب‏..‏ هكذا ينظر العارفون بالله إلي العالم‏.‏
إنهم يرون الحب قانونا حاكما في الوجود‏,‏ ويرون عطاء الله سببا في ميلاد الكون والإنسان‏,‏ ويحسون أن رحمة الله نسيج يشف به ثوب الكون علي رحابته وجلاله‏,‏ وهم يرون أن الله قد خلقنا ليتفضل علينا بحبه‏,‏ ولكي يتفضل علينا مرة أخري بأن يسمح لنا بحبه‏.‏
قرئت هذه الآية أمام جلال الدين الرومي‏:‏
يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه‏...‏
بكي شاعر الصوفية الأكبر حين قرئت عليه الآية‏..‏ إن الله يتوعد الارتداد عن الدين‏,‏ وهو ظلم عظيم‏,‏ بأرقي ما في الوجود من مشاعر الحب وقيمه‏,‏ إنه لايهدد المرتدين عن دينهم بالنار أو النحاس المصهور أو العذاب‏,‏ انما يهددهم بأن يستبدلهم بقوم يحبهم ويحبونه‏.‏
إن القوة التي تهدد الشرك والردة هي حب الله‏.‏

 

 

 


قال وهو يشكر ربه‏
: ربنا لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك.. دعا أحد المؤمنين بهذه الدعوة فحيرت الملكين ولم يعرفا كيف يكتبان قدر ثوابها فسألا الله تعالي ـ ربنا ان عبدا من عبادك قال مقالة لاندري كيف نكتب ثوابها؟ قال الله تعالي ـ وهو أعلم بما قال عبده ـ ماذا قال عبدي

قال حمدك حمدا ينبغي لجلال وجهك ويليق بعظيم سلطانك‏.‏
قال عز وجل‏:‏ اكتباها كما قالها عبدي وأنا أجزيه بها يوم القيامة‏.‏
رغم هذا كله‏..‏
ارتكبت أنا العبد الترابي ما أرتكبت‏..‏ كل شيء‏..‏ فعلت كل شيء‏..‏ ابتداء من تقليد أبليس في كبريائه التي صورت له أن النار خير من الطين‏,‏ وانتهاء بقابيل الذي مد يده إلي فك حمار وشج به رأس شقيقه فقتله‏,‏ ولم يعرف ماذا يفعل بجسده الميت‏..‏ كل شيء‏..‏ كنت أستعين بالمخلوق وأنا أعرف أن استعانة المخلوق بالمخلوق كاستعانة المسجون بالمسجون‏.‏
كنت أجري نحو رزق الدنيا برغم أن رب العرش ضمنه بقوله في الأزل‏:‏ وما من دابة في الأرض إلا علي الله رزقها‏.‏
وكنت أترك السعي نحو رزق الآخرة برغم أنه هو الوحيد الذي لم يضمنه الله إلا بعمل شاق‏.‏
أنتهي الأمر وعرفت ما كنت أجهل‏..‏
وبدأت بقطع العلائق واليأس معا في أيدي الخلائق‏,‏ استوحشت من الناس‏,‏ وملأني الأنس وحده برب الناس‏.‏
وصنعت من دموعي طوفانا حاولت أن أعرف فيه السيئات التي كسبتها‏,‏ معتقدا أنها الفرح‏..‏ ونحت من عظامي مركبا صغيرا وسط الطوفان واقتحمت به مقام الخوف‏.‏
ولم أزل في هذا المقام
لم أزل أرتعش